أصل السكان
كتب في الأحد 09 نوفمبر 2008
ما يميز جميع الناس عن بعضهم هوياتهم المختلفة، إذا قلنا المجتمع الياباني فإننا ندرك أنه الشعب الأول الذي وجد في منطقة اليابان حاليا و الذي له عديد المقومات التاريخية والتراثية والثقافية المتأصلة المشتركة والنابعة من جوف السكان الأصليين المتأثرين بطبيعة المكان و ميراث الأجداد الأولين. وقد بقيت هذه المقومات محفوظة ومتواترة عبر الحقب التاريخية حتى وصلت و مازالت إلى الجيل الياباني الحالي المجدد العصري والذي حافظ وتمسك بها بكل لباقة و عصرنة فزادت من تحظره ورقيه.
أنا من الذين يسكنون في بلد يسمى الجزائر، حسب ما أعرف فإن منطقة شمال إفريقيا كان يقطنها في زمن ما أناس قيل عنهم أنهم كانوا “بربرا” أو “أمازيغ” اللفظة الأخيرة تعني في لفظها مجموع الرجال الأصليون الأحرار، أما “البربر” فهي لفظة أطلقها عليهم الرومان في غزواتهم على بلدان حوض المتوسط. وهم مجموعات سكانية متفرقة على شكل قبائل منتشرة في البوادي والحواضر، لهم عاداتهم وتقاليدهم وصفاتهم المعينة، حدثت في وككل مجتمع حديث عدة حوادث وعوامل غيرت من التركيبة المقومة لهذا الجنس.
البحث في الأصول التاريخية للأمازيغ أمر صعب تحقيقه لوجود الاختلافات العديدة بين المؤرخين حول منشأهم وجذورهم الأولى، منهم من يقول أن أصولهم منحدرة من الجنس الأوروبي حسب دراسات تشير لوجود تماثلات جنسية وعرقية بينهم وبين الأوروبيين، ينسبهم آخرون للأصل العربي كاليمنيين بسبب حوادث تاريخية مختلفة الطبيعة والزمان، كما يرفض الكثيرون هذه الفكرة الأخيرة ويؤكدون أن الجنس الأمازيغي قديم وسابق لذلك العربي قي وجوده. يقول آخرون أن أصولهم محلية اذ يفترض بعضهم أن العثور على أول إنسان في التاريخ كان في نواحي إفريقيا بالقرب من تواجد الأمازيغ، وهذا بناء على بعض الدراسات الجيولوجية و الأنثربولوجية، والكشوفات الجغرافية. كما يميل آخرون لاتجاهات أخرى في تحديد أصول الأمازيغ كانتمائهم للشعوب الأفراسية في إفريقيا أو نسل الجرمان في أوروبا.
بعدما كان هؤلاء بربرا أصليين جاء العرب من جزيرتهم ودخلوا عليهم فيما يسمى بالفتوحات الإسلامية، فرضخ الشعب وأسلم بكل سهولة. الإسلام دين جديد وأبدي للبربر بل البربر المعربين كما أصبح يطلق عليهم، بعد ذلك ومع كثرة العرب الوافدين واندماجهم في البربر الأصليين أصبح الجميع عربا من أصول بربرية فهم بربر عربهم الإسلام. دخل عليهم من بعد عدد كبير من الأندلسيين المهاجرين بعد سقوط الأندلس واندمجوا في ذلك المجتمع.
الجزائر وكما يدل اسمها كانت في قرون مضت في شمالها عبارة عن جزر صغيرة متفرقة في البحر المتوسط وكانت محط أنظار العديد من الدول الأوروبية التي كانت تنتظر اللحظة المناسبة للهجوم على خيرات هذه الأرض المنيعة، الباسطة التي تخبئ الكثير من الثروات والأسرار في باطنها.
بعد زمن ما في 1518م طلب أحد حكام الجزائر وهو خير الدين بربروس النجدة من الدولة الإسلامية العثمانية القائمة في تركيا ذلك الوقت، تحت وطأت التهديد الاسباني الفرنسي لاحتلال سواحل الجزائر. وفد العثمانيون من تركيا ومعهم عاداتهم وأصولهم المتجذرة فاندمجوا وتأثر المجتمع بهم وبما حملوه معهم فأخذ الجزائريون الكثير من الثقافة التركية والمعيشة العثمانية.
يذهب الزمن ويأتي آخر ويتطور الشعب الجزائري ويتأثر بجميع الوافدين إليه من عرب ومسلمين وعثمانيين إلى أن تم احتلال فرنسا للأرض بعد مناوشات ومعارك متعددة، دام هذا الاحتلال حوالي المائة والثانية والثلاثين عاما مر المجتمع الجزائري على إثره بتغيرات قلبت جميع موازينه الاجتماعية والحياتية، قالوا أن عدد الذين قضوا من أجل تحرير بلادهم فاق المليون والنصف! في الفترة مابين الرابع والخمسين- والثاني والستون للقرن العشرون _ أعتقد تلك حصيلة المائة الثلاث والثلاثين سنة، كما أعتقد أن الحكومة الفرنسية قررت نفسها الخروج من تلك الأرض ولم يخرجوها بالقوة كما يقولون، ما قد يؤكد لي ذلك ربط بعض الأحداث ببعضها وتحليلها تحليلا منطقيا بعيدا عن كل انحياز وتشدد مما يصلنا وما تعلمناه في المدارس وعن حديث مؤرخين من هذه البلاد وما تنشره الوسائل الإعلامية المحلية _ كل هذا الأخير قد لا يهمنا فيما نريد الحديث عنه مجرد كلام _
اللغة الجزائرية: مجرد فكرة
المجتمع الجزائري اليوم ضائع وتائه وغارق بين عدة ثقافات ومقومات تتعارض كلها فيما بينها تتعارض لأنها وبكل بساطة ليست ملكه و لا يمكنها أن تجتمع فيه.
الجزائريون اليوم يتكلمون بينهم بعدة طرق لغوية ولغات مختلفة بعيدة تماما عن أصولهم ومنبعهم المشترك، طبيعي أن تظهر لهجات في بلد واسع كالجزائر لكن ليس بالكيف التي هي عليه الأمور، منهم من يتكلم الفرنسية وهذه شائعة وآخرون العامية وبعضهم يتكلم بالعربية الفصحى وآخرون بالأمازيغية وآخرون بال”شاوية” وهناك من يتحدث بلغته الخاصة التي ابتكرها بنفسه وهناك أفراد لا يتكلمون إطلاقا!
يظهر هذا الاختلاف واضحا من خلال وسائل الإعلام بكل أنواعها، إذا قرأت مثلا بعض الصحف الناطقة بالعربية فستلاحظ ركاكة في بعض الأساليب واستخدام الكثير من المصطلحات العامية وتعريب الكثير منها من الفرنسية مع عدم مراعاة الاختلاف بين اللغتين فتجدهم يجلبون كلمة فرنسية من وسط جملة ويلصقونها داخل جملة عربية دون الانتباه لما قبل الجملة وبعدها وللمعنى الكلي للفكرة والإجمالي للموضوع. أما إذا حدث الأسوء وشاهدت مسلسلا محليا أو شاهدت مقابلة مع أحد الشخصيات المرموقة في البلد أو استمعت لحصة في الراديو فإنك لا تلوم غير نفسك لأنك قررت فعل ذلك، قد يصيبني القيء إن سمعت المتحدث يتفوه ببعض الكلمات العربية ويضيف لها سلسلة من الفرنسية وكثير من العامية أو العامية المهشمة أو بعض المصطلحات التي تكون بعيدة عن محور حديثه لجهله بمعناها الفعلي أو حتى يتمادى في فعلته ويذكر قليلا من الأمازيغية..أك أكاد أتقيئ.. أع..عع
لا توجد هنا لغة رسمية بالمعنى الحقيقي للكلمة، ولا توجد لغة واحدة يتقنها الجميع مما يؤدي لعدم وجود اتفاق على استعمال واحدة الأمر الذي يشتت المواطنون المدركون لهذه الأمور لاسيما الزوار الأجانب.
ما أريد توصيله وإبلاغه فكرة بسيطة، فكرت عدة مرات في اقتراح موضوع جديد قد يكون أكثر ما لا يهمني منه ردود الأفعال التي تأتي من ورائه، فكرت في أمر اللغة واللغة بالدرجة الأولى لأن من بعدها تصلح كل الأمور الأخرى المتعلقة بهذا الضياع، ولأن اللغة أول مقوم تقوم عليه أي دولة ترغب في تأسيس نفسها ذاتيا بنفسها. عندما تشاهد مسلسلا أو أي عمل تلفزيوني محلي مثلا فإنك قد تحصي حتى أربع لغات مختلفة في الجملة أو الفكرة الواحدة، ومنها أربع ثقافات مختلفة أبت أن تجتمع في هذا الشعب عديم المقومات والشخصية.
لماذا لا توحد لغة واحدة يفهمها الجميع في المؤسسات الرسمية ووسائل الإعلام والمنظمات العالمية، لماذا لا تكون هنالك لغة اسمها “اللغة الجزائرية” مستقلة بذاتها تميز البلاد والشعب واللغة نفسها عن جميع مناطق العالم، لغة بقواعد ومميزات خاصة بها، مستمدة بشكل كلي من اللهجة العامية المحكية لدى البسطاء والقدماء من أناس هذه البلاد، لغة مطورة وجامعة لجميع اللهجات واللكنات المحلية من جميع مناطق وأحاديث الجزائر الواسعة. لغة تحوي كل تجارب الأناس الأصليين ومعارفهم، لغة تعرف بالماضي الأصيل و تدل عل الحاضر الحاضر وتنبأ بالمستقبل الواعد. إن خير مثال على ذلك التجربة الأوروبية فقد كانت شعوب أوروبا في الماضي متشتت اللغة مستعملة البقايا اللاتينية حتى أسست وانفردت كل دولة بلغتها المستمدة من اللاتينية القديمة، فمهدت بهذا لثقافة ومبادئ وقيم ساعدت في قيامها ونهوضها وتطورها.
وإن لم يكن وكان ذلك هراء يستحيل تطبيقه وسط شعب عنيد مقاوم لكل تغيير، فهذا مجرد اقتراح لا يتعدى تفكيري به. لنتفق على ترسيم لغة أساسية وحيدة ولتكن العربية الفصحى فليتعلمها الجميع وليتقنها ولتستعمل في جميع القطاعات دون تحريف وتهميش، على أصولها حتى يتمتع عاشقوها أمثالي بها ويتفرغوا للعمل والإنتاج والإبداع.
اللغة الرسمية في الجزائر هي العربية شخصيا أموت و أحيا باللغة العربية أحبها حبا عظيما، لكن هل يحتاجها المجتمع الجزائري، لا أعتقد ذلك بشكل كبير (لا أتكلم هنا عن نفسي فأنا أحتاجها ) بماذا تفيد هذه اللغة الشعب إذا كان لا يتحدث بها ولا يفهم كل أناسه تعابيرها و أساليبها ولا يسمعها إلا في نشرات تلفزيون الحكومة وصحفها، العربية قد تقبل ولكن ماذا عن الفرنسية ؟ لعل أكثر ما أكره اليوم قراءتي لأحد ملصقات المنتجات المحلية الغذائية وأجدها كلها بالفرنسية وبعض التراكيك العربية متناثرة على الجوانب، أكره ما أكره قراءة أحد الإعلانات أو سماع أحد الأشخاص يمزج بين اللغتين، أصبح البعض الكثير يتباهى بإخراجه لبعض الرذاذ الفرنسي! أنا لا أكره الفرنسية ولا العربية ولا أي لغة أخرى، بل ما يثير إحساسا لا أحبه لدي أن أرى هذا الخلط والتلاعب بالقراء و سريعو الانزعاج من هذه الأمور مثلي، ألا يقولون أن اللغة الرسمية في الجزائر العربية، صحيح هذا ما نعرفه لماذا كل هذه المهملات من الآخرين إذا. هناك العديد ممن يشاطرونني الرأي حول هذه المسألة مؤسسو وأعضاء موقع www.blafrancia.com من بينهم.
إذا كنا بربرا فأصبحنا معربين ومسلمين ثم تأثرنا بكثير من الوافدين إلينا لا يعنني أنه لا يمكننا تأسيس أمورنا ومبادئنا الخاصة التي تميزنا عن غيرنا بأنفسنا. بقليل من التفكير المنطقي المشترك والعمل الواحد بإمكاننا ذلك لنكون موحدين متماسكين متميزين.
توضيح:
- الأفكار أعلاه بصيغة جمع المتكلمين لا تعبر بالضرورة الكبيرة عن رأيي الشخصي.